علوم وتقنيات

عرض الكل

الإعلام العربي والذكاء الاصطناعي.. تحولات متسارعة تفتح آفاقًا جديدة وتفرض تحديات معقدة

🗓 أبريل 19, 2026 ⏱ 1 دقيقة قراءة

إعداد، عايض الجعيد
تصوير محمد المحمادي
يشهد المشهد الإعلامي العربي اليوم مرحلة دقيقة من التحولات العميقة، التي لا يمكن فصلها عن الطفرة العالمية في تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي تجاوز تأثيرها حدود الأدوات المساندة لتصل إلى إعادة تشكيل جوهر العمل الإعلامي ذاته.
ولم يعد الحديث عن الذكاء الاصطناعي بوصفه خيارًا تقنيًا، بل أصبح واقعًا حتميًا يفرض نفسه على المؤسسات الإعلامية بمختلف أنواعها، من الصحافة التقليدية إلى المنصات الرقمية الحديثة، في سياق عالمي يتسم بالتسارع والتنافسية العالية.
ويأتي هذا التحول في ظل بيئة إعلامية معقدة تتداخل فيها الأبعاد التقنية والاقتصادية والمهنية، إذ تتجه المؤسسات إلى إعادة النظر في نماذج العمل التقليدية، واستكشاف إمكانات الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة لتعزيز الكفاءة، وتقليل التكاليف، وتحقيق الانتشار الأوسع.
وفي المقابل، يفرض هذا التحول تحديات غير مسبوقة، تتطلب توازنًا دقيقًا بين الابتكار والحفاظ على القيم الأساسية للعمل الصحفي، وفي مقدمتها المصداقية والاستقلالية.
وفي هذا السياق، أصبح الذكاء الاصطناعي عنصرًا فاعلًا في مختلف مراحل العملية الإعلامية، بدءًا من جمع المعلومات، مرورًا بتحليل البيانات، وصولًا إلى إنتاج المحتوى وتوزيعه.
وأسهم ذلك في تسريع دورة إنتاج الأخبار، وتمكين المؤسسات من التعامل مع كميات هائلة من البيانات في وقت قياسي، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على طبيعة المحتوى الإعلامي، وجعله أكثر ديناميكية وتفاعلًا مع الجمهور.
ويبرز في هذا الإطار دور الخوارزميات الذكية في تحليل سلوك المستخدمين، إذ تتيح للمؤسسات الإعلامية فهم اهتمامات الجمهور بشكل أعمق، وتقديم محتوى مخصص يلبي احتياجاته وتوقعاته، وتسهم هذه التقنيات في تحسين إستراتيجيات النشر، من خلال تحديد الأوقات المثلى لنشر المحتوى، واختيار المنصات الأكثر تأثيرًا، بما يعزز الوصول والتفاعل.
وسلط الأكاديمي المتخصص في الإعلام الدكتور نجم العيساوي في كتابه “الذكاء الاصطناعي في الصحافة والإعلام والعلاقات العامة” الضوء على التطورات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي وإمكاناته في تعزيز التواصل والتفاعل بين البشر، مؤكدًا أهميته في الإعلام الرقمي والصحافة، ودور التكنولوجيا في غرف الأخبار وصناعة المحتوى الإعلامي.
وأوضح أن الذكاء الاصطناعي إلى جانب البيانات الضخمة وإنترنت الأشياء، يمثل مرتكزًا أساسيًا للثورة الصناعية الخامسة، مع التركيز على أهمية التكامل بين الأنظمة الذكية والعنصر البشري، لافتًا النظر إلى أن توظيف هذه التقنيات يسهم في أتمتة المهام وتحليل كميات ضخمة من البيانات، بما يدعم إنتاج محتوى مخصص يتماشى مع تفضيلات الجمهور، ويعزز مستوى التفاعل والفهم لدى المتلقين.
ومع ذلك، فإن هذا الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل العمل الصحفي العربي، خاصة فيما يتعلق بدور الإنسان في العملية الإعلامية، فبينما توفر هذه التقنيات إمكانات هائلة، فإنها لا تزال تفتقر إلى القدرة على الفهم العميق للسياقات الثقافية والاجتماعية، وهو ما يجعل الدور البشري ضروريًا في تفسير الأحداث، وصياغة الروايات، والتحقق من المعلومات.
وفي هذا الإطار، أشار المحرر التقني في صحيفة إندبندنت العربية عبدالله السبع إلى أن الذكاء الاصطناعي يُعد سلاحًا ذا حدين؛ إذ يمكن توظيفه في إنتاج المحتوى المضلل، ويمكن الاستفادة منه في كشف هذا المحتوى ومكافحته.
وأضاف أن التحدي الأكبر الذي يمكن أن تواجهه المؤسسات الإعلامية العربية يتمثل في صعوبة توظيف صحفيين جدد ضمن المنظومات الإعلامية، في ظل توجه كثير من المؤسسات إلى الاعتماد -بشكل مباشر أو غير مباشر- على تقنيات الذكاء الاصطناعي في عمليات التحرير والتدقيق اللغوي وغيرها من المهام، مما قد يقلل من الاعتماد على الكوادر الصحفية الناشئة.
ولفت الانتباه إلى وجود قصور ملحوظ في بعض المنظومات الإعلامية العربية فيما يتعلق بمفهوم “تحسين الظهور لمحركات الذكاء الاصطناعي” (AI SEO)، الذي يُعنى بضمان وصول المحتوى الصحفي إلى نماذج الذكاء الاصطناعي المختلفة، مؤكدًا أهمية تطوير هذا الجانب لما له من أثر مباشر في مستقبل الوصول إلى المعلومات، خاصة في ظل التحولات المتسارعة في أنماط البحث.
وبيّن السبع أن المستقبل سيكون للصحفي الشامل القادر على توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي بفعالية، مشيرًا إلى أن الصحفي الذي يعتمد على مهارة واحدة لن يتمكن من مواكبة التغيرات المتسارعة في المشهد الإعلامي.
ويُعد المحتوى المولّد آليًا من أبرز مظاهر هذا التحول، إذ بات بالإمكان إنتاج نصوص إخبارية وتقارير تحليلية باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يطرح تحديات تتعلق بجودة المحتوى، ومدى دقته، وقدرته على الالتزام بالمعايير المهنية، مما يفتح الباب أمام مخاطر انتشار المعلومات المضللة، خاصة في ظل صعوبة التمييز بين المحتوى الحقيقي والمصطنع.
وكشفت دراسة أجراها باحثون في جامعة ميريلاند، ونُشرت عبر موقع الجزيرة نت القطرية نقلًا عن برس غازيت بتاريخ 29 أكتوبر 2025، أن نحو 9% من المقالات التي نشرتها الصحف الأمريكية خلال فترة قصيرة كُتبت كليًا أو جزئيًا باستخدام الذكاء الاصطناعي.
واعتمدت الدراسة على تحليل 186 ألف مقال نشرتها 1500 صحيفة رقمية باستخدام أداة Pangram.
وأظهرت النتائج أن الغالبية العظمى من المحتوى لا تزال تُنتج بشريًا، إلا أن نسبة المحتوى المولّد آليًا في تزايد ملحوظ، خاصة في المؤسسات الإعلامية الصغيرة، التي تعتمد على هذه التقنيات لتعويض محدودية الموارد، مقارنة بالمؤسسات الكبرى التي تفرض ضوابط تحريرية أكثر صرامة.
وتكتسب هذه الدراسة أهمية خاصة في سياق الإعلام العربي، إذ تمثل مؤشرًا استشرافيًا لمسار التحول الرقمي في المؤسسات الإعلامية، إذ يُتوقع أن تتجه العديد من الوسائل، خصوصًا الصغيرة والمتوسطة، إلى توظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز الإنتاجية وتقليل التكاليف.
وفي المقابل، تبرز الحاجة إلى وضع أطر تنظيمية واضحة، وتعزيز الشفافية في الإفصاح عن المحتوى المولّد آليًا، إلى جانب تطوير أدوات عربية قادرة على كشف هذا النوع من المحتوى والحد من مخاطره.
وتبرز أهمية تطوير أدوات متقدمة للتحقق من المعلومات، تعتمد هي الأخرى على الذكاء الاصطناعي، في إطار ما يمكن وصفه بـ”سباق تقني” بين إنتاج المحتوى المضلل وكشفه.
ويتطلب ذلك استثمارات كبيرة في البحث والتطوير، إلى جانب تعزيز التعاون بين المؤسسات الإعلامية والجهات التقنية والأكاديمية.
ويواجه الإعلام العربي تحديات خاصة تتعلق باللغة، إذ تمثل اللغة العربية بتنوع لهجاتها وتعقيد بنيتها اللغوية عائقًا أمام تطوير نماذج ذكاء اصطناعي دقيقة وفعالة.
وعلى الرغم من الجهود المبذولة في هذا المجال، فإن الحاجة لا تزال قائمة لتطوير نماذج لغوية عربية متقدمة، قادرة على فهم السياق الثقافي واللغوي بشكل أعمق.
ومن جهة أخرى، يفرض التحول الرقمي تحديات اقتصادية على المؤسسات الإعلامية العربية، إذ يتطلب الاستثمار في تقنيات الذكاء الاصطناعي موارد مالية وبشرية كبيرة، وهو ما قد لا يتوفر لدى كثير من المؤسسات، خاصة الصغيرة والمتوسطة منها، مما ينتج عنه توسيع الفجوة بينها وبين المؤسسات الكبرى.
وفي ظل هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى إعادة تأهيل الكوادر الإعلامية، بحيث تمتلك المهارات اللازمة للتعامل مع التقنيات الحديثة، بما في ذلك تحليل البيانات، وفهم الخوارزميات، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى.
ولم يعد الصحفي مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبح مطالبًا بأن يكون محللًا رقميًا وقادرًا على التفاعل مع بيئة إعلامية متغيرة.
ويتطلب التحول نحو الذكاء الاصطناعي تطوير ثقافة مؤسسية قائمة على الابتكار والتجريب، مع الحفاظ على القيم المهنية، من خلال تبني نماذج عمل مرنة تقوم على التكامل بين الإنسان والآلة.
وفي الجانب التشريعي، تبرز الحاجة إلى أطر قانونية تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وتحدد المسؤوليات، وتحمي الحقوق، وتضمن الاستخدام المسؤول لهذه التقنيات، خاصة في ظل التحديات الأخلاقية المرتبطة بالخصوصية والتحيز والشفافية، ويُعد هذا الجانب من أكثر الجوانب تعقيدًا، نظرًا للطبيعة المتغيرة للتقنيات، وصعوبة مواكبة التشريعات للتطورات المتسارعة.
وفي هذا الجانب أكد الأستاذ المشارك في الاتصال المؤسسي والعلاقات الدولية بقسم الإعلام بجامعة أم القرى الدكتور هليل بن محيسن العميري، أهمية تطوير تشريعات إعلامية مرنة تواكب سرعة التحول التقني، وتحمي في الوقت ذاته حقوق الأفراد والمؤسسات والحكومات، مبيّنًا أن التشريعات الإعلامية تُعنى بتنظيم مختلف أوجه العملية الإعلامية، وأن مرونتها تكمن في قدرتها على استيعاب المتغيرات المتسارعة.
وأوضح أن هذه التشريعات تشمل تنظيم أنواع النشر الثلاثة، وهي النشر المباح الذي لا يُتوقع منه إلحاق الضرر، والنشر الواجب المرتبط بتقديم المعلومات ذات النفع العام، والنشر المحرم الذي يتضمن ما يخالف الأنظمة أو القيم.
وأشار إلى أن المشهد الإعلامي الحالي يشهد تداخلًا بين وسائل الإعلام التقليدية ومنصات التواصل الاجتماعي، مما أدى إلى مزاحمة هذه المنصات للإعلام التقليدي، بل والتشكيك في مصداقيته أحيانًا، في ظل تسارع إنتاج المحتوى وتزايد استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وبيّن أن هذا الواقع استدعى صدور عدد من الأنظمة والتشريعات لحماية الملكية الفكرية وتنظيم العمل الإعلامي، بدءًا من النظام الصادر عام 1424هـ، وصولًا إلى الأنظمة الحديثة مثل تنظيم الإعلام ونظام الإعلام المرئي والمسموع، مؤكدًا أهمية مواصلة تطوير هذه التشريعات بشكل مستمر، بما لا يقتصر على حماية المنتج الإعلامي، بل يمتد إلى حماية وعي المتلقي من التأثيرات السلبية، وتعزيز أمن المجتمع واستقراره بمختلف أبعاده.
ويثير الذكاء الاصطناعي قضايا أخلاقية تتعلق بالخصوصية، والتحيز الخوارزمي، وشفافية العمليات، إذ يمكن أن تؤدي الخوارزميات إلى تعزيز بعض التحيزات الموجودة في البيانات، وهو ما ينعكس على طبيعة المحتوى الإعلامي، ويتطلب ذلك وضع معايير أخلاقية واضحة تضمن الاستخدام المسؤول لهذه التقنيات.
وفي هذا الجانب يشهد الإعلام التفاعلي تطورًا ملحوظًا بفضل الذكاء الاصطناعي، إذ أصبح بإمكان المستخدمين التفاعل مع المحتوى بشكل أكبر من خلال تقنيات مثل الدردشة الذكية، والتوصيات الشخصية، والواقع المعزز، إذ أسهم ذلك في تعزيز تجربة المستخدم، وزيادة مستوى الانخراط مع المحتوى.
وتؤدي البيانات الضخمة دورًا محوريًا في هذا التحول، إذ تمثل المادة الخام التي تعتمد عليها تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتتيح هذه البيانات للمؤسسات الإعلامية تحليل الاتجاهات، واستشراف المستقبل، واتخاذ قرارات مبنية على معلومات دقيقة.
ومع ذلك، فإن إدارة هذه البيانات تتطلب بنية تحتية متطورة، وسياسات واضحة لحمايتها واستخدامها.
ويُظهر الواقع أن هناك فجوة بين الطموحات المعلنة في إستراتيجيات الذكاء الاصطناعي، ومستوى التطبيق الفعلي داخل المؤسسات الإعلامية، وهو ما يعكس تحديات تتعلق بالتنفيذ، والحوكمة، والتنسيق بين الجهات المختلفة، ويتطلب سد هذه الفجوة تبني نهج شامل يربط بين الرؤية والإستراتيجية والتنفيذ.
وفي إطار تعزيز التعاون، يمكن للمؤسسات الإعلامية العربية العمل على إنشاء منصات مشتركة لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتبادل الخبرات، والاستفادة من الموارد المشتركة، ويمكن تعزيز الشراكات مع الجامعات ومراكز البحث لدعم الابتكار وتطوير حلول مخصصة تلبي احتياجات السوق المحلي.
ويُعد الاستثمار في البحث العلمي أحد العوامل الحاسمة في هذا المجال، إذ يسهم في تطوير تقنيات جديدة وتحسين النماذج الحالية، وتقديم حلول مبتكرة للتحديات القائمة، ويتطلب ذلك دعمًا حكوميًا ومؤسسيًا، إلى جانب تشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في هذا المجال.
وفي ظل هذه التحولات، يبرز مفهوم “الصحفي الشامل”، الذي يجمع المهارات الإعلامية والتقنية، ويستطيع التكيف مع بيئة العمل المتغيرة، ويُعد هذا النموذج ضروريًا لمواكبة التطورات، وضمان استمرارية العمل الإعلامي في ظل المنافسة المتزايدة، ويتطلب المستقبل تعزيز الوعي المجتمعي حول استخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام، بما في ذلك فهم مخاطره، وكيفية التحقق من المعلومات، والتعامل مع المحتوى الرقمي بشكل نقدي، للحد من تأثير الأخبار المضللة، وتعزيز ثقافة إعلامية واعية.
وختامًا، فإن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة تاريخية للإعلام العربي، يمكن من خلالها تحقيق نقلة نوعية في الأداء، وتعزيز الحضور العالمي، وتقديم محتوى عالي الجودة يلبي تطلعات الجمهور؛ ومع ذلك فإن تحقيق هذه الفرصة يتطلب رؤية إستراتيجية واضحة، واستثمارًا مستدامًا، وتعاونًا فعالًا بين مختلف الجهات.
ويبقى التحدي الأكبر هو تحقيق التوازن بين الاستفادة من التقنيات الحديثة، والحفاظ على جوهر العمل الإعلامي، الذي يقوم على الحقيقة، والمصداقية، وخدمة المجتمع؛ ذلك أن المستقبل لن يكون للآلة وحدها، ولا للإنسان وحده، بل للتكامل بينهما، في إطار منظومة إعلامية ذكية، قادرة على التكيف مع متغيرات العصر، وصناعة محتوى يعكس الواقع، ويصنع الأثر.