ثقافي

عرض الكل

الحرف والصناعات التراثية في عسير… حضور ثقافي يجمع الأصالة بفنون العصر

🗓 أبريل 7, 2026 ⏱ 1 دقيقة قراءة

عادت الحرف والصناعات التراثية في منطقة عسير إلى واجهة الاهتمام الرسمي والشعبي خلال السنوات الأخيرة، وذلك عبر مبادرات نوعية تسعى إلى إعادة تقديمها في سياق معاصر.
وفي هذا الإطار، دعت شركة “حرف السعودية” المهتمين إلى حضور “لقاء الحرفيين في أبها”، الذي يقام نهاية هذا الأسبوع ويهدف إلى تمكين الحرفيين الجدد وفتح آفاق للتعاون، ضمن بيئة تجمع بين الإبداع وتبادل الخبرات، في خطوة تعكس اهتمامًا متزايدًا بتحويل الحرف التقليدية إلى قطاع إنتاجي مستدام.
ويمثل هذا اللقاء منصة تفاعلية تجمع الحرفيين والممارسين، وتسهم في تطوير مهاراتهم وربطهم بفرص جديدة، بما يعزز من حضور الصناعات التراثية في الأسواق والفعاليات، ويمنحها بعدًا اقتصاديًا حديثًا دون أن تفقد جذورها الأصيلة.
وتجسّد الحرف والصناعات التراثية في منطقة عسير نموذجًا حيًا لمنظومة معيشية متكاملة نشأت عبر قرون، وارتبطت ارتباطًا وثيقًا ببيئة الإنسان واحتياجاته اليومية، حيث اعتمدت على استثمار الموارد الطبيعية المحلية كالخشب والجلود والمعادن والتربة الطينية، لتشكّل بذلك هوية ثقافية واقتصادية راسخة في السراة وتهامة.
ويؤكد الباحث الدكتور غيثان بن علي بن جريس، أن هذه الحرف لم تكن مجرد أنشطة تقليدية، بل منظومة إنتاجية متكاملة شملت الأدوات المنزلية والزراعية ومواد البناء، وأسهمت في تشكيل نمط الحياة اليومي، بدءًا من إعداد الطعام، مرورًا بتخزينه ونقله، وصولًا إلى بناء المنازل وصناعة الأدوات اللازمة للمعيشة.
وتبرز الأدوات المنزلية بوصفها أحد أهم مكونات هذا الإرث، حيث تنوّعت صناعتها بين الفخار والخشب والمعادن والحجر والجلود، فكانت الأدوات الفخارية تُصنع من التربة الطينية المتوافرة في مواقع محددة، وتمر بمراحل دقيقة حتى تخرج في أشكال متعددة، مثل “البرمة” للطبخ، و”الكوز” لحفظ المياه وتبريدها، و”المبخرة” التي تُستخدم لتعطير المنازل، إلى جانب “التنور” الذي استُخدم لصناعة الخبز محليًا، في دلالة واضحة على بساطة الأدوات وفاعليتها في تلبية احتياجات الحياة اليومية.
وشكّلت الأدوات الخشبية جانبًا مهمًا من الحياة المنزلية، إذ استُخدمت أخشاب الأشجار المحلية مثل “العتم”و “الغرْب” والعرعر لصناعة أدوات متعددة، منها “الصحاف” لتقديم الطعام، و”المسوط” لتحريك الطعام أثناء الطهي، إلى جانب “المهراس” الذي يُستخدم لطحن الحبوب أو البهارات، وهو ما يعكس تنوع الاستخدامات وتكاملها داخل المنزل في عسير قديمًا.
وفي جانب الصناعات المعدنية، برزت أدوات مثل القدور النحاسية للطبخ، و”الملاقط” لالتقاط الجمر، و”المحماس” لتحميص القهوة، إضافة إلى “السكاكين” و”الشفر” التي تعددت أشكالها واستخداماتها، مما يدل على تطور الحرفة وقدرتها على تلبية متطلبات الطهي والأعمال اليومية.
أما الأدوات الحجرية، فقد مثّلت أساسًا في معالجة الغذاء، مثل “الرحى” لطحن الحبوب، و”المساحق” لسحق النباتات العطرية، فيما شكّلت الصناعات الجلدية عنصرًا مهمًا في نقل المياه وحفظ الأغذية، من خلال أدوات مثل “القِربة” و”العِكّة” التي استُخدمت لحفظ السمن والعسل، إلى جانب أدوات أخرى مثل “المِيزب” و”السعن” المخصّصة لنقل السوائل وحفظها.
وبرزت صناعات الخوص والسعف بوصفها من أكثر الحرف انتشارًا، حيث صُنعت منها أدوات متعددة مثل “المِلقط” و”المِنسف” لحفظ الخبز وتقديم الطعام، و”الجونة” لحفظ الأطعمة، و”المعلاق” لتعليق الأغراض، إضافة إلى “الزنبيل” لنقل الحبوب والأعلاف، و”المكانس” اليدوية، فضلًا عن “الفرش” المصنوعة من الحصير التي استُخدمت في المجالس والمنازل والمساجد، ما يعكس بساطة المواد المستخدمة ومرونتها في تلبية مختلف الاحتياجات.
وامتد هذا التنوع ليشمل الأدوات الزراعية، حيث اعتمد المزارعون على أدوات خشبية وجلدية، مثل “المقرنة” لفصل الحبوب، و”القِرب” لاستخراج المياه من الآبار، إلى جانب أوعية جلدية كبيرة مثل “المنقلة” لنقل المحاصيل الزراعية، ما يؤكد تكامل الحرف مع النشاط الزراعي في المنطقة.
وفي جانب البناء، اعتمدت العمارة التقليدية في عسير على مواد محلية كالحجر والطين، حيث تولّى “البنّاء” مهمة تشييد المنازل باستخدام تقنيات متوارثة، مكّنت السكان من التكيّف مع الطبيعة الجبلية والمناخ المتقلب، وأسهمت في تشكيل طابع معماري مميز للمنطقة. كما برزت صناعة الأبواب والشبابيك الخشبية التي اتسمت بزخارفها الدقيقة وتزيينها بالمسامير الحديدية أو النحاسية، ما يعكس مهارة الحرفيين وذائقتهم الفنية.
ولم تغب الصناعات المرتبطة بالأدوات القتالية التقليدية، حيث شملت صناعة بعض الأسلحة الخفيفة كالسيوف والخناجر، التي اعتمدت على المعادن والأخشاب، وكانت تستخدم لأغراض الدفاع أو في المناسبات، في حين ارتبطت بها صناعات مساندة مثل البارود الذي كان يُحضّر بطرق بدائية من مكونات طبيعية.
ويشير الباحث الدكتور صالح أبوعراد في دراسة نشرت عام 2020 عن محافظة “تنومة” إلى أن هذه الحرف لا تزال تمثل ركيزة ثقافية مهمة، إذ تحوّل كثير منها إلى عنصر جذب سياحي وثقافي يُعرض في الأسواق الشعبية والمهرجانات التراثية، ويعكس ذاكرة المكان وهوية الإنسان.
وتبرز أهمية توثيق هذه الحرف وإعادة إحيائها بوصفها أحد المسارات الداعمة للاقتصاد الإبداعي، وربط الأجيال الجديدة بموروثهم الثقافي، في ظل الجهود المتواصلة للحفاظ على الهوية الوطنية وتعزيز حضور التراث في المشهد التنموي والسياحي بمنطقة عسير.


🏷 ثقافي 🔖