الاتجاهات الحديثة في التقويم التربوي

يشهد التقويم التربوي في وقتنا الحاضر تطورات متسارعة وتجديدات مبتكرة ,وتحولات جوهرية في منهجيات القياس والتقويم ومرجعياته , ونقلة نوعية في أساليبه وأدواته ,وتقنياته , وممارساته الميدانية , وقد أسهمت هذه التطورات في إحداث تغييرات تربوية شاملة في مختلف مكونات المنظومة التعليمية .
     ولعل هذا يبدو واضحا في حركات إصلاح أنظمة التقويم التربوي في المؤسسات التعليمية في كثير من دول العالم , كما يبدو واضحا في التوجيهات الجديدة لبحوث القياس والتقويم التي تزخر بها الأدبيات المتخصصة في هذا المجال في الآونة الأخيرة .
     ويرجع ذلك إلى ما يفرضه القرن الحالي من تحديات في مختلف مجالات الحياة المعاصرة , وما يتطلبه النظام العالمي الجديد من إمكانات بشرية تمتلك كفاءات متنوعة ومتميزة , ومهارات إبداعية وظيفية متقدمة , تمكنها من الإسهام الايجابي الفاعل في الانجازات الإنسانية , والرخاء الاقتصادي , وتحسين نوعية الحياة .
     كما يرجع إلى الشكوى المستمرة من التأثيرات السلبية للمفهوم السائد في الأوساط التربوية للتقويم بمنظوره الضيق والمنغلق المرادف للامتحانات التقليدية, والعمليات الاختبارية الروتينية المرتكزة على مهارات التفكير الدنيا والاستيعاب , وما ينتج عنها من درجات اعتبارية لا تعبر في كثير من الأحيان عن واقع عملية التعليم , ونتيجة لذلك كله ظهرت في العقود القليلة  الماضية مداخل واتجاهات حديثة في مضمار التقويم التربوي , حاول من خلالها علماء  القياس والتقويم أن يبتكروا أنماطا جديدة للتقويم التربوي , تكون بديلا مفيدا للتقويم التقليدي .
     

     ولعل من ابرز الاتجاهات الحديثة في التقويم التربوي التقويم البديل  وهو يقيس مهارات التفكير العليا في حل المشكلات , وهو لا يقتصر على اختبارات الورقة والقلم وإنما يشتمل أيضاً على أساليب أخرى متنوعة مثل ملاحظة أداء المتعلم إجراء مقابلات شخصية معه ومراجعة إنجازاته السابقة , ومن هنا خرج لنا ملف إنجاز الذي يشتمل على جميع منجزات وإعمال الطالب ,وقد استند التقويم التربوي البديل إلى أسس وركائز أساسية تتعلق بالتطورات المعاصرة التي حدثت في عدة مجالات تتصل بكل من : علم النفس المعرفي , وتقنيات المعلومات , وما أدت إليه من تصورات فكرية جديدة لنظريات التعلم الإنساني , ومفهومي الذكاء والتحصيل , وما أسهمت به في تغيير وجهات النظر حول المستويات التربوية  والمناهج الدراسية والأساليب التدريسية والبيئة الصفية . ومن ثم اتجاه التوسع في قياس الاستعدادات العقلية والقدرات الشخصية حيث ان هذا الاتجاه يحقق مبدأ مراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين وخطة المناهج لمعرفة كيفية قياسهم , و هذا يجعل من الضروري على القائمين بالعمل التربوي من مخططي مناهج ومعلمين تفهم طبيعة هذه الفروق و كيفية قياسها لكي يتمكنوا من الكشف عنها و معرفة مداها وتوجيه العملية التعليمية توجيهاً يناسب قدرات واستعدادات الطلاب بما يمكنهم من اكتساب الكفايات المرجوة , وأيضا اتجاه بنوك الأسئلة وهي أداة لتوفير عدد كبير من المفردات وفقاً للمحتوى الدراسي والأهداف المعرفية التي يستهدف تعلمها التذكير, الفهم , التحليل التركيب , التقويم,والطرق,واتجاه التقويم المدار بالحاسوب يعد من أهم تطبيقات التكنولوجيا في مجال التقويم التربوي. الذي يقوم على تصحيح ورصد النتائج بدقة وسهولة عن طريق أجهزة وأدوات تكنولوجية حديثة تفيد كثيراً في عمليات التقويم , حيث يسهم هذا التقويم إلى جعل عملية التقويم أكثر مرونة وسهولة وسرعة في التنفيذ , ويساعد المدارس ومؤسسات التعليم بأن يكون اختبار الطلاب سهلاً و ميسراً وفي المتناول عند الطلب, واتجاه التقويم عن بعد الذي يقوم

على إجراء التقويم بطريقة غير مباشرة عن طريق استخدام عدة قنوات للتقويم عن بعد مثل : التعليم والتعلم عن بعد كالجامعة المفتوحة ,وشبكات الهواتف، والإنترنت وغيرها من الوسائل الاتصال السلكية واللاسلكية التي تحل مشكلة المسافات البعيدة بين المتعلم والمعلم وهو بذلك يعتبر احد أساليب التعليم الذاتي الذي ظهر امتدادا  لنظام التعليم المفتوح او التعليم المستمر . واتجاه مجموعة التركيز حيث يتم تطبيق مجموعات التركيز على مجموعات مصغرة يتراوح عددها من خمسة إلى عشرة متعلمين، ويجلس المنسق أو المعلم مع كل مجموعة يطرح عليهم تساؤلات حول موضوع تعليمي محدد، ويتم الحوار بين المتعلمين والمناقشة بشكل تفاعلي. ويكشف هذا الأسلوب عن الأنماط السائدة في المرئيات المختلفة لأفراد المجموعة حول الموضوع، كما أنه يعد طريقة تدريس مجدية في تشخيص و تعديل الأفكار والمفاهيم الخاطئة, والتقويم الذاتي وهو أن يقوم الشخص الذي أدى عملا ما بمراجعة ذاته بعد إنهاء ذلك العمل، ليرى مدى ما حققه من أهداف مرسومة سلفا، وما هي المخرجات والمنتجات التي خرج بها، وما هي الصعوبات التي واجهتْه، وكيف تغلب عليها؟ وما مدى تأثيرها في جودة العمل وإتقانه؟ إذن هي عملية مراجعة ذاتية شاملة لكل جوانب العمل المؤدى، للحصول على التغذية الراجعة الضرورية لإنجازات أكثر إتقانا.
     وفي الختام كانت هذه بعض أهم التوجهات الحديثة في مجال التقويم التربوي وهي توجهات تربوية عالمية جديرة بالاهتمام والمتابعة بل جديرة بالتطبيق في مؤسساتنا التعليمية في عالمنا العربي من أجل تطويرها ورفع كفاءتها  حتى نتمكن من إعداد أجيال قادرة على التفاعل مع معطيات العصر ومتغيراته المتلاحقة والنهوض بأمتنا العربية والإسلامية في شتى المجالات والنواحي . 

أ. مشرع ناصر جمعور السبيعي

Share