تجربة عالمية تعليمية

التجربة الماليزية من التجارب الناجحة التي يجب النظر لها بعمق ، ودراستها بشكل مستفيض ، لعلنا نجد ما يمكن أن نستفيد منه ونطبقه على أرض الواقع . فالعلم نور يضيء طريق الأمم نحو التقدم والرقي، وحقيقة يعلمها الجميع ، فقد اهتم قادة ماليزيا بالتعليم كعنصر أساسي لا يمكن الاستغناء عنه لتحقيق أي مشروع تنمية ونهضة للأمة، ونلاحظ ذلك واضحا من خلال انجازاتهم وأقوالهم خاصة التعليم الأساسي والفني، واستخدمت اعتمادات مالية كبيرة في مجالات العلوم والتقنية، حتى المجالات الإنسانية تم دعمها أيضا بواسطة القطاع الخاص، وتم استقدام خبرات أجنبية في كافة مستويات التعليم العالي والتقني لتلبية احتياجات سوق العمل المحلية، وهو ما ساهم في رفع مهارة قوة العمل التي أصبحت من المزايا التفضيلية للاقتصاد الماليزي.

ويمكن رصد أهم السياسات التعليمية التي انتهجتها الحكومة الماليزية، وتكلفتها الاقتصادية والنتائج المثمرة التي حققتها هذه السياسات على مدى العقود الماضية فيما يلي :

     التزام الحكومة بمجانية التعليم الأساسي حيث حرصت الإدارة الماليزية منذ أن أخذت البلاد استقلالها في 1957م على تقديم خدمات التعليم الأساسي مجانًا وبلغ دعم الحكومة الاتحادية لقطاع التعليم ما يصل في المتوسط إلى 20.4% سنويًا من الميزانية العامة للدولة ومن ثمار هذا الاستثمار السخي أن عدد الذين يعرفون القراءة والكتابة وصل في العام 2000م حوالي 93.8% وهي من النسب العالية في العالم، وأن حوالي 99% من الأطفال الذين بلغوا العاشرة من أعمارهم قد قُيدت أسماؤهم بالمدارس، و92% من طلاب المدارس الابتدائية انتقلوا إلى الدراسة في المراحل الثانوية ، وكذلك نتيجة للدعم والتسهيلات الكبيرة التي تقدمها الدولة أصبح التعليم إلزامي ويعاقب علية القانون .

      واهتمام الحكومة بالتعليم ما قبل المدرسة (الرياض) الذي يشمل الأطفال بين سن الخامسة والسادسة، واعتبر قانون التعليم لسنة 1996 التعليم فيما قبل المدرسة جزءًا من النظام الاتحادي للتعليم، ويشترط أن تكون جميع دور الرياض وما قبل المدرسة مسجلة لدى وزارة التربية، ويلزم كذلك تطبيق المنهاج التعليمي المقرر من الوزارة ، ومن تلك المناهج إلزامية تعليم اللغة الرسمية للبلاد (البهاسا ملايو) بجانب السماح باستعمال اللغة الإنجليزية ويسمج كذلك بتقديم تعليم ديني للأطفال المسلمين .

      كذلك من السياسات التعليمية تركيز التعليم الابتدائي على المعارف الأساسية والمعاني الوطنية حيث يركز التعليم في هذه المرحلة على تعليم التلاميذ القراءة والكتابة والإلمام بالمعارف الأساسية في الحساب والعلوم .

     وكذلك توجيه التعليم الثانوي نحو خدمة الأهداف القومية حيث تقدم مدارس المرحلة الثانوية تعليمًا شاملاً، حيث يشمل المقرر الدراسي كثيرًا من المواد الدراسية مثل العلوم والآداب والمجالات المهنية والفنية التي تتيح للطلاب فرصة تنمية وصقل مهاراتهم. تمر المرحلة الثانوية أولا بالمدارس الثانوية الصغرى (شبيهة بالإعدادية أو المتوسطة في البلاد العربية) وثانيًا المدارس الثانوية العليا (شبيهة بالمدارس الثانوية). وتعقد المدارس الثانوية الصغرى امتحانًا في السنة الثالثة، ويتم بعده انتقال الطلاب إلى مرحلة أكثر تخصصًا تعتمد على رغبة وأداء الطالب معًا، ويعاد تقييم (مفاضلة) الطلاب في السنة الخامسة أيضًا عبر امتحان شهادة التعليم الماليزية ، وفي مستوى الثانوية العليا يوجه الطالب إلى تحصيل المزيد من مواد التخصص، لا سيما التعليم الفني والمهني. وهناك العديد من المدارس الفنية والمهنية الثانوية التي تعتبر خطوة مبكرة لتدريب الطالب بمهارات العمل اللازمة، وبعض المدارس الثانوية تجري امتحانات عامة يتحصل بموجبها الطالب على الشهادة الماليزية الثانوية التي تؤهل الطلاب للخروج إلى سوق العمل ، أما المستوى السادس من المرحلة الثانوية فهو يهيئ الطلاب للدخول مباشرة إلى الجامعات المحلية والأجنبية. ويمكن للطلاب أن يلتحقوا من المستوى الخامس بالسنة الإعدادية في الجامعات المحلية مباشرة.

    وكذلك العناية بتأسيس معاهد تدريب المعلمين والتدريب الصناعي حيث أولت الحكومة عناية خاصة بتأسيس معاهد خاصة لتدريب المعلمين وتأهيلهم على المستوى القومي، وتهدف هذه المعاهد إلى تزويد قطاع التعليم بالتوجيهات المهمة لإعداد المعلمين والتفتيش والتأهيل التربوي.

   وكذلك خطت الحكومة الماليزية التوافق مع التطورات التقنية والمعلوماتية حيث يعد الكمبيوتر واحداً من أهم المواد التكنولوجية التي يجب دراستها والاهتمام بها فقامت الحكومة الماليزية عام 1996 بوضع خطة تنمية شاملة من أهم أهدافها إدخال الكمبيوتر والربط بشبكة الإنترنت في كل مدرسة، بل وفي كل فصل دراسي، حتي بلغت نسبة المدارس المرتبطة بشبكة الإنترنت عام 1999 تقدر  بـ 90٪ من المدارس الماليزية ، وكذاك إلى جانب إقامة العديد مما يعرف بالمدارس الذكية التي تتوفر فيها مواد دراسية تساعد الطلاب على تطوير مهاراتهم واستيعاب التقنية الجديدة فهي تعتبر مؤسسة تعليمية تم ابتداعها على أساس تطبيقات تدريس وإدارة جديدة تساعد التلاميذ على اللحاق بعصر المعلومات، وأهم عناصر المدرسة الذكية هي: بيئة تدريس من أجل التعلم، نظم وسياسات إدارة مدرسية جديدة، إدخال مهارات وتقنيات تعليمية وتوجيهية متطورة. وما زالت عملية اختبار هذه العناصر وإعادة هندستها لتحقيق كفاءة وفاعلية هذه المدرسة مستمرة ويتم تقييم التجربة في أعلى المستويات القيادية بالدولة. وتنفذ عملية التدريس والتعليم وفقًا لحاجات الطلاب وقدراتهم ومستوياتهم الدراسية المختلفة.

      وقد قامت الحكومة بالربط بين التعليم وأنشطة البحوث وذلك بتأسيس قاعدة ممتدة لشبكة المعلومات في المؤسسات الجامعية وإمدادها بموارد المعرفة والبنية التحتية الأساسية في هذا الصدد لتدعم الحكومة جهود الأبحاث العلمية في الجامعات بواسطة مؤسسة تطوير التقنية الماليزية، وذلك لتشجع الروابط بين الشركات والباحثين والمؤسسات المالية والتقنيين من أجل استخدام أنشطة البحث الجامعية لأغراض تجارية.

وبذلت وزارة التعليم جهودًا ناجحة في بناء المدارس وتهيئتها على أحسن وجه من ناحية البيئة المدرسية والوسائل التعليمية والخدمات الملحقة بالمدرسة، فضلا عن تدريب المدرسين وتأهيلهم ومواكبة المقررات المدرسية وطرق التدريس للتطورات المعاصرة والتوافق مع متطلبات العملية التربوية السليمة.

كيف لنا أن نستفيد من التجربة الماليزية في التعليم السعودي :

أولاً : من خلال جعل التعليم إلزامي من مرحلة ما قبل الدراسة (الروضة) لما لها من أهمية في تأهيل الطفل علمياً واجتماعياُ ونفسياً ، وإعداده إعداداً مدروساً وسليماً للالتحاق بالمرحلة التعليمية الابتدائية.

ثانياً : قصر التعليم في المرحلة الابتدائية على القراءة والكتابة وبعض المواد الدينية وذلك من أجل عدم تحميل الطالب فوق طاقته وإتقانه للمنهج .

ثالثاً : أدخال الأنترنت للفصول الدراسية لجعله منهجاً موازياً للكتب الدراسية وتخصيص مدارس ذكية تلبي احتباجات الطلبه لتطوير التعليم العام الذي يهدف إلى خلق مجتمع متكامل ومتجانس من الطلبة وأولياء الأمور والمعلمين والمدرسة وكذلك بين المدارس بعضها البعض ارتكازا على تكنولوجيا المعلومات والإتصالات لتحديث العملية التعليمية ووسائل الشرح والتربية وبالتالي تخريج أجيال أكثر مهارة واحترافية.

رابعاً : اضافة سنة رابعة للتعليم الثانوي وجعلها بمثابة الستة التحضيرية بالجامعات ويتم الالتحاق بها لمن أراد مواصلة دراسته الجامعية .

" باحث في الإدارة والتخطيط التربوي"

 

Share