تربويات : الأمن الفكري مناخ الإبداع والرقي والحضارة والطمأنينة

عين - مكة المكرمة - خديجة الناشري 

 

یُعد الأمن نعمة من نعم الله التي امتن بها على عباده، فقد قال عليه الصلاة والسلام :( من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت یومه، فكأنما حیزت له الدنيا بحذافيرها ). 

فالإنسان مخلوق قد حباه خالقه بأجل النعم ، ورفع شأنه وكرمه  وميزهُ على سائر المخلوقات بالعقل ودعاه إلى إعماله كي یكتشف به أسرار الله في كونه وبدیع صنعه ، فیسوقه ذلك التأمل والتفكير إلى الوصول لبارئه والإيمان ، وفي هذا تحریر للعقل من كل جمود وخمول ونتیجة لنشاط عقل الإنسان یتكون لدیه فكراً فطرياً سوياً .

والفكر السوي هو سبب ارتقاء الأمم وتقدمها فبه تصقل العقول وتنمى القدرات وتكتشف المواهب والمهارات ؛ لذلك نجد أن كل أمة حريصة على حمایة فكرها من أي انحراف قد يشوبه أو یعكر صفوه .

و لقد تعرضت أمتنا الإسلامیة عبـر القرون ، وما زالت تتعرض لغارات من أعدائها بقصد تشكیك أبنائها في عقیدتهم ، ومسخ هویاتهم ، وحملهم على الانسلاخ من مبادئهم وقیمهم وزعزعة استقرارهم وأمنهم

وذلك بما یلقیه أعداء الإسلام من شبهات وشهوات وبما جاءوا به من فلسفات وثقافات ، ونحن الیوم نعیش في عصر تواصل عجیب بین أجزاء الكرة الأرضیة ، نتج عنه دفقًا للثقافات وتعددًا لمنابع التلقي ، فنرى أخلاطًا متباینة واتجاهات مختلفة وأنماطًا متفاوتة من العقائد والأفكار والتصورات والمفاهيم . " لذا كان لزاماً على الآباء والمربين والمعلمین أن یوطنوا أنفسهم ، ويصرفوا همهم وعزمهم إلى تأصيل بناء الشخصیة الإسلامیة ، وتغذیة المناعة الداخلية ، وإيجاد الحصانة الذاتية ، لبنـاء شخصية واضحة المعالم تطبق الإسلام في الواقع المشاهد" ، وتستطيع مواكبة التقدم العلمي السریع والمستمر ، والاستفادة من معطياته ، دون الذوبان والتبعیة ، ودون أن تفقد هویتها الإسلامیة ، ويتسنى ذلك بنوع من الأمن على العقول یمكن عن طریقه أن یكتسب ناشئتنا حساً نقدیًا ضد الأفكار الدخیلة ، فتقوى الحصانة الذاتیة لعقولهم ، ویستطیعون الوقوف أمام التیارات التي تحاول مسخ هویاتهم واقتلاعهم من قیمهم وأخلاقهم الإسلامیة وبه تتحقق " وقایة الأفراد والمجتمع من خلل عقدي ، وغلو دیني وانحلال خلقي ، وانحراف سلوكي" وهذا النوع من الأمن یمكن أن یطلق علیه الأمن الفكري

ولا یخفى ما للتربیة بجميع مؤسساتها من دور في حمایة المجتمعات ، فالتربیة هي الوسیلة التي عن طریقها تنتقل المعتقدات ، والاتجاهات ، من جیل إلى آخر .

ومن هذا المنطلق توجهت إدارة الإعلام التربوي بمكة إلى أهم المؤسسات التربوية ونعني بذلك المدارس والإدارات لنأخذ آراءهن عن الأمن الفكري وما قُدم من أفكار لإنجاحه بالمدارس وتأثير ذلك على الطلاب والطالبات .

وعليه فقد ذكرت لنا مديرة إدارة الإرشاد والتوجيه بإدارة تعليم مكة د. عزة الشهري : بأن الأمن الفكري يعد على قائمة هرم أنواع الأمن المتعددة ؛ لعظم أهميته، وشدة خطر فقدانه ، وارتباط أنواع الأمن الأخرى به، فهو أساسها، فاستقرار الفرد والمجتمع واطمئنانهم مرهونة بتوفره وما المِحن والكُروب إلا نتائِجُ حاصلة بانفلات الأمن الفكري.ومن المسلم به أن أعداء الدين إذا ما أرادوا النيل من المجتمعات المسلمة جعلوا غايتهم فكر شبابها؛ لذا فإن من أولى ما يجب أن تصرف إليه جهود المربين توفير محاضن تربوية لتوجيه وإرشاد الشباب وتحصينهم فكرياً ضد أي دعاوى مغرضة.مع التركيز على تكثيف البرامج التوعوية الحوارية ، حول وسطية الإسلام واعتداله وسماحته، ونشر البرامج التربوية التي تستهدف الآباء والمربين لتوعيتهم بالأساليب التربوية التي وضعها الإسلام وحث على تطبيقها لحماية الشباب من الانحرافات الفكرية.

مع ضرورة الاهتمام ببناء الهوية الإسلامية السمحة في نفوس الشباب والاعتزاز بها، والقضاء على البطالة، وتوجيه كفاءتهم، وإشباع حاجاتهم للحصول على القدر الكافي من التقدير الاجتماعي، وتجنب أساليب الضغط والسيطرة واستبدالها بالحوار والحب .

وكما شاركتنا رئيسة قسم اللغة العربية بإدارة تعليم منطقة مكة سعيدة الرشيدي موضحةً: بأننا في زمن الفتن وانفتاح قنوات التواصل الاجتماعي المتنوعة والتي تحمل الغث والثمين فالحصانة الفكرية مطلب ملح لحماية أفكار الناشئة من الانحرافات الفكرية والمنهج الخفي فلابد من تكاتف الجهود في الميدان التربوي، والتوعية المدرسية ،و الأسرية ،وعقد البرامج والمسابقات واللقاء والورش التي تحمي  العقيدة والفكر ،وتنمي الحس الوطني ،وزرع القيم والسلوك الايجابي وتفعيل خطط وبرامج فطن من خلال المنهج الدراسي ،وحصص النشاط والإذاعة المدرسية والمنشورات والعروض الالكترونية الشائقة لجذب انتباه الطلاب والطالبات والتفاعل بصورة مؤثرة  لنبني جيل صالح متسامح  معتز بدينه ومحب لوطنه ومحافظ على ممتلكاته.    

من جانبها قالت مديرة مكتب تعليم غرب مكة رضية الخطابي :تبرى الأقلام حبا .. وتلهث الألسنة شوقا.. وتٌسلُ محبرة الفكر آمنة بالاستسلام لله والانقياد لهُ.. منه نعبر لعالم الوعي، والبعد عن الغوغائية والشبهات والأفكار الدخيلة المنحرفة فتنقشع ظلمة الأوهام ، وعتمة الدجى فالأمن الفكري كيان مداده القرآن (الذين آمنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون)سورة الانعام آية (82). وعماده النشء الصالح فهو أساس بناء الأمة ومنطلق حضارتها وركيزته الأسرة فهي شمسه التي لا تنطفئ ومؤسساتنا التعليمية في بلادنا تحظى باهتمام لا محدود فهي من تغرس فيه حب الوطن وسلامة الفكر منذ نعومة أظفاره (من الروضة الى الجامعة) والمدرسة حديقته الغناء انتشق منها غراس القيم وفتحت له بوابة الحوار وثقافة النقاش والاحترام من مناهج قويمه متنوعة ففاح شذى حب الوطن والولاء له .

: وحول حصانة الفكر لدى فتياننا وشبابنا رأت مديرة إدارة التوعية الإسلامية بالإدارة العامة لتعليم مكة مها قماش : إنهُ أصبح ضرورة ملحة ضمن ما ألمحتم إليه آنفا والدور مناطٌ بكافة شرائح المجتمع تكاتفاً وفهماً وعطاء ، لذا كان ترسيم لجنة التوعية الفكرية من قبل الوزارة بالمدارس فكرة رائدة تشارك فيها مسؤولة المصلى كعضو فاعل بالكلمة لدحض الشبهات وتحصين الطالبات والطلاب من المهددات الفكرية ومن خلال تعزيز القيم الإسلامية المحصنة والتغذية المعرفية  بأساليب حديثة متناسبة مع روح العصر ومستجداته ، كما أن أساليب الحوار الآمن مع الأبناء والطلاب والطالبات ؛ لمعرفة احتياجاتهم  ورغباتهم ومحاولة تلبية الصواب منها وتفريغ طاقاتهم الذهنية بنقاشات موجهة آمنة شيء لابُد منه فالفكر لا يدحض احياناً إلا بالفكر.  

وكما أضافت المشرفة التربوية المنسقة لبرنامج فطن بإدارة الإشراف والتوجيه بمكة عفاف بن ياسين قائلةً : علمت وزارة التعليم أن المدرسة هي خط الدفاع الأول للناشئة بعد أن اصبحت عقول ابنائنا وبناتنا مستهدفة من قبل المنظمات الإرهابية لاسيما في ظل وجود الانحرافات الفكرية التي تأثر بها بعض أبناء الوطن من الفئة الضالة . فشرعت في تحصين أبنائنا من هذه الانحرافات بقوة ومواجهتها بتخطيط إشعاعي غير مباشر فكثفت نوعية هذه البرامج وعلى رأسها برنامج فطن الذي يهدف إلى وقاية المجتمع من هذه المهددات والسعي إلى التحصين النفسي عن طريق العديد من الدورات التي توعيهم بذاتهم وتؤكد سلوكهم وتبصرهم بفن حل المشكلات وصقل الشخصية بالأهداف المرجوة على المدى القصير وأن لا يكونوا لقمة سهلة بأيدي العابثين لذلك وافق صاحب السمو ولي العهد الأمير/محمد بن نايف بن عبد العزيز على تأسيس مجلس أمناء فطن برئاسته الفخرية وعضوية بعض الوزراء وقد شملت التدريبات ما يقارب 1،2 مليون طالب وطالبة .

وكما أكدت من منطلق كونها منسقة البرنامج بمنطقة مكة الاهتمام بتكثيف توعية الشباب ببناء الحس الوطني العالي ونشر ثقافة الحرص على انتقاء الأصدقاء الأسوياء .

وعواطف خان مرشدة طلابية من الثانوية الثلاثون كانت لها كلمة ضافية عن الأمن الفكريحيث أوضحت معناه الأساسي وهو الحفاظ على العقيدة الصافية والهوية الثقافية والسلوك من الإختراق أو الانحراف . ومن هذا المنطلق يكون للأمن الفكري جانبان جانب وقائي يتمثل في غرس العقيدة  والقيم السلوكية الحميدة مثل  برنامج ( فطن) وبرنامج ( القيم النبوية) ) وهي من أهم البرامج التي تهدف إلى حماية الفكر والوطن من الانحراف. 

وهناك جانب علاجي ويُعنى برصد الأفكار والمظاهر السلوكية المنحرفة في مهدها ووضع خطة علاجية لها من خلال برامج تهدف الى ترسيخ الجانب العقدي للطلاب وترسيخ مفهوم المواطنة لديهم فالانحراف الفكري يؤدي الى انحراف سلوكي وهذا ما نشاهده في سلوك ابنائنا الطلاب من تقليد اعمى للغرب، والانبهار بهم وخاصة في ظل الانفتاح الاعلامي فعلى سبيل المثال : أصبح الاحتفال بأعياد لا صحة لها في ديننا وتعد من المنهي عنها والتشبه في المظهر الخارجي والتهاون في اللباس الشرعي وغيرها من الانحرافات التي أساسها انحراف في التفكير .

 

وكما ذكرت الطالبة رامة الحازمي بالصف السادس بمدرسة تحفيظ القرآن الثالث من خلال منظورها أن : الأفكار الدخيلة هي التقليد الأعمى مثل تقليد القصات الغربية ، ونصيحتي للمجتمع  ليس كل ما يأتي لنا من الغرب يُعد تقدم وحضارة !!  مقدمةً الحل الصحيح وهو أن نعرف أن ديننا الاسلامي دين التميز ويجب توعية المجتمع بوسائل التواصل الاجتماعي والبرامج كبرنامج فطن ، مشيرةً من وجهة نظرها أن برنامج فطن كان هادف جداً للأمن الفكري مقدمة نصيحتها للطالبات بأن يفرقن ويميزن بين الصالح والغير صالح ونسعى لتقوية شخصياتنا وعلى نفس الصعيد رأت الطالبة جوري جلال بالصف الأول المتوسط بمجمع التحفيظ الثالث بأن من الأفكار الدخيلة التحرر الفكري ،والاستخدام الخاطئ لوسائل التواصل مبديةً إعجابها ببرنامج فطن وأثره الايجابي فهو يساعد على بناء وتقوية الأجيال وتثقيفهم وكما إنه ُيحد من المخاطر.

موضحةً دور المعلمة الكبير وتقع على عاتقها مسؤولية مساعدة الطالبات فهي تخالط أفكار الطالبات لذلك كان لزاما عليها تخليصهن من الأفكار المنحرفة والخاطئة من خلال توعيتهن داخل الحصة أو من خلال الإذاعة المدرسية.

Share